الخميس، 27 ديسمبر 2018

حضن رحيل


بقلم| فيصل بن كريم

f5b5k20@


 


النيجر ٢٠٠٨ / طفل يحاول إيقاظ أمه ظناً منه أنها نائمة والناس لايكترثون بسبب كثرة الموت (هذا ماتخلفه الحرب والجوع والجهل)


أيا أماه...

استيقظي كي لا يسبقنا الآخرون، قومِ فالناس ذاهبون، والبعض يتسارعون ويتسابقون.


أماه...

كنتِ لي خير معين وعن حديثي تستمعين، واليوم ماذا بكِ يا أماه؟ ماذا حلّ بك؟ لماذا تَصمُتين ولا تتكلمين؟ ماذا فعلت حتى لا تتحدثين معي؟ أيعقل أنكِ جائعة أو فيك عطش؟ ألهذا يا أماه؟ ألهذا؟ قل لي: ردي عليّ يا أماه لم أعد أزعجك البتة بطلبي الطعام، ولم أعد أطلب منك شيئا آخر، غير أنكِ تأتين ونعود معًا إلى بيتنا، وأكون ابنًا مطيعًا لك وأساعدك في تنظيف دارنا فهلّا تردّين؟


أماه...

إن عدتِ معي فسوف أَجْنِي لك رغائف خبزٍ ناعمة الملمس، حلو اللذة مزيج بالنارجيل والسكر، وأصنع لك وسادة جميلة كجمالك، وثم أنحت اسمك على الشجرة التي أمام درانا، وأكتب فيها (أحبك يا أمي) وأصنع لك قصرًا جميلا بمالي المدَّخَر، من فِرنكات خبأتها تحت حجر رمادي اللون من غير علم أحد، فإن عدتِ معي يا أماه فسوف أهديكِ إياه فهلا أتيت؟ وإن أحببتِ النوم على ما أنتِ عليه، فأجلب لك غطاءًا وأراقب صحوك منتظرًا قدومك معي.


انظري يا أماه...

انظري حواليك فكل على أحضان وأكتاف أمهاتهم، إلا أنا... فلماذا تبخلين عليّ هكذا؟ لا أدري متى صحوك أهو بعد يوم أو يومين! أم يمضي حياتي هكذا دون أن أسمع كلمة وداع من حنجرتك الرنانة؟ ماذا يجدر بي أن أفعل لك فأنتِ الأمان والقرين؟ فهل سترحل وتتركينني هكذا وحدي يا أماه؟ دون أن تُقبِّل وحيدِك ودون أن تقول (انتبه لنفسك يا بني) هل فعلت أمرًا غير مرضي عنك؟ أكنت مزعجًا لك؟ أم صرت ابنًا غير ابنكِ الوحيد؟


أماه...

تتفوه الكثير من الأسئلة بداخلي لربما انقضى نحبه، لكنني علمت أنكِ لا تجيبين عليّ مهما صرخت، فإن تودين الرحيل حقًا دعيني أحملكِ على أكتافي، كما كبرت على أكتافك مذ طول سنين، دعيني أحملكِ لآخرة مرةٍ أراكِ قربي.


أماه...

أدركت أنكِ سترحلينَ ولكنكِ لم تشيرينَ برحيلكِ من قبل، لكن دموعي لن تفارق وجنتيّ وعيناي البته، وإن طال قرونا وسنين، وداعا يا أماه... وداعا وداعا سوف أصرخ وأقول لربي، إن أمي قد فارقتني يا إلهي بجوعها ولم أستطع الغوث، إن أمي قد فارقت حياتها أمام ناظريّ هاتين، وحسبتها غفت غفوة جهد وتعب، لكنها فارقت الحياة حتما دون أن أدرك، رباه يا غوثاه فارحم والدتي وكن لنا خير معين.

ليست هناك تعليقات: